ابو جعفر محمد جواد الخراساني

169

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

والأدوات ، وتحديده بغيره ، تحديده بالزمان والمكان ، والجهات ، والأعراض ، وكلّ شيء مخلوق له ، فإنّ المخلوق لا يحدّ الخالق ، وهو تعالى حادّ كلّ شيء ولا يحده شيء ، فلا يحدّه المدركات بادراكها له ، ولا الأداة الحادّة من الكليّات بمفاهيمها ؛ كالحروف المحدّدة مثل : مذ وقد ولعلّ وغيرها . وعندهم ، لا يتناهى ذاته بوجه أصلا ، فلا تحدّ ذاته وصفاته ، إذ كلّ ما حدّ ، فقد تناهى ؛ وهو ظاهر بالحسّ والوجدان ؛ والمتناهي ، لم يكن إلها ؛ إذ التناهي والتحديد ، امّا يكون في وجوده ، فيكون حادثا قطعا ، لأنه إذا فرض له نهاية كان له قبل متقدّم عليه ، وكلّ ما فرض له قبل كان ، حادثا بعده ؛ أو يكون في ذاته وهو إمّا بالتركيب أو من غير تركيب ان تصوّرنا المحدوديّة لنفس الذات ، بما هي ذات مع عدم التركيب ، وايّا كان ؛ فإمّا ان يكون التحديد من قبله أو من قبل غيره ، فإن كان بمحدّد غيره لزم الافتقار والحدوث ، وان كان من نفسه فلا يكون إلّا باقتضاء الذات ، إذ لو كان بغير اقتضائه لم يكن من نفسه ومعنى اقتضاء الذات ، كون الذات علّة للتحديد ، فيكون إذن مصنوعا ومعلولا لنفسه ، ويأتي عليه أيضا ، أنّه متى حدّد ذاته ، قبل ان لم يكن محدودا ، كما هو مقتضى العليّة أو بعده وكلاهما محال . أمّا الثاني : فظاهر ، لأنّه تحصيل الحاصل . وأمّا الأوّل : فلأنّه يلزم خلوّ الذات عنه زمانا ، ثمّ تغيّره بعد ذلك بالتحديد . وان قيل : إنّ الحدّ كان ملازما للذّات باقتضائه الذاتيّة ، لا باقتضاء العلّية ، فهذا محض فرض في الوهم وتغيير في العبارة ، وإلّا فالحدّ غير الذات ، فإنّ ذات الشيء ، شيء ، وحدّه من قصره وطوله مثلا أو غير ذلك ، شيء آخر ، فإذا لم يكن التحديد بعليّة الذات : فإمّا ان يكون الحدّ بالذّات ؛ يعني بذاته ، لأنّ الحدّ غير الذات ، فيكون هناك قديمان ، ومع ذلك فهو محال أيضا ، لأن الحدّ عرض لا يقبل القيام ، بالذّات ؛ وإمّا بالغير ، فيعود الإشكال ، وسيأتي له توضيح في باب التوحيد - إن شاء اللّه . وكيف كان ، فقد قال أمير المؤمنين ( ع ) : « الّذي سألت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ ولا ببعض ، بل وصفته بافعاله ، ودلّت عليه بآياته وليس له حدّ ينتهي إلى